محمد المحمدي الگيلاني
43
تكملة شوارق الألهام
مستقلا في الوجود ومعنى استقلال موجود ممكن في الإيجاد هو انقلابه إلى الوجوب بالذات ، فلا يعقل تفويض الإيجاد والفعل إلى موجود ممكن . فبعد ما علم بطلان التفويض والجبر ، اتّضح المذهب الحق « وهو الأمر بين الأمرين والمنزلة بين المنزلتين » وهو كون الموجودات الإمكانيّة مؤثرات لكن لا بالاستقلال وأنّه ليس في الوجود فاعل بالاستقلال سوى اللّه عزّ وجلّ ، وسائر الموجودات كما أنّها في أصل وجودها غير مستقلّة بل روابط محضة ، كذلك في الصفات والآثار روابط محضة فمع كون أفعالها وآثارها منسوبة إليها فهي بعينها أفعال اللّه سبحانه وهذا عين المنزلة بين المنزلتين والأمر بين الأمرين . ويشهد له قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 1 » حيث أثبت الرمي من حيث نفاه فقال : ما رميت إذ رميت ، فإنّ الرمي كونه منه لم يكن بقوّته واستقلاله بل بقوة اللّه وحوله . اعلم : أنّ التأمّل في المقال المنقول من الشيخ أبي الحسن الأشعري يعطي أنّه لم يكن متثبّتا في القول بالجبر ، بل كان في حيرة ، فإنّه اخترع مسلكا سمّاه « الكسب » قال السّيد الشارح للمواقف في ذيل قول الماتن : « في أنّ أفعال العباد الاختياريّة واقعة بقدرة اللّه تعالى وحدها » : « وليس لقدرتهم تأثير فيها بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأنّه يوجد في العبد قدرة واختيارا فإذا لم يكن هناك مانع ، أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما ، فيكون فعل العبد مخلوقا للّه إبداعا وإحداثا ومكسوبا للعبد . والمراد بكسبه إيّاه ، مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلّا له . وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري » . « 2 » والظاهر أنّ النّظر في أدلّة الطرفين أورث الحيرة للشيخ الأشعري فأراد أن يسلك مسلكا وسطا فاخترع مسلك « الكسب » فهذا ثوب جديد للجبر ، فكساه بذلك الثوب زعما منه أنّه تخلّص بذلك عن بشاعة القول بالجبر ساكتا عن بيان خالق هذا الذي سماه كسبا ، فتأمّل .
--> ( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 17 . ( 2 ) . شرح المواقف ، الطبع القديم ، ج 8 ، ص 145 .